|
أين أبي
على جانبي الشارع تصطف بيوت من الطين والأحجار والخشب تتخللها عمارات من الاسمنت متسخة ومغبرة، والأرض الإسفلتية مكسوة بالتراب والمياه المتسخة المتجمعة في أماكن متفرقة، لا تستطيع السيارات دخول الشارع فتصطدم بنتوءات البيوت الحجرية ، وفي شقة قديمة ذات غرفتين، والشمس قرمزية قاتمة على وشك المغيب يتبعها الظلام بسرعة جنونية، صارحها برحيله.. قال إنه سيرحل، ولم لا ، فالحياة في نظره أمست ثقيلة والدنيا حوله كالأفعى الغليظة ، والعمر لا يحياه الإنسان إلا مرة واحدة، وكل واحد مسؤول عن نفسه. قالها وهو يشعل لفافة التبغ الخامسة من الرابعة، ينفث الدخان في الهواء سحبا داكنة، يريد أن يقتلع البيت بمن فيه، وغمامات غامقة تلف أشعة الشمس المنحدرة وترسلها بعيدا تحت عتبات الظلام الأرعن. يمشي جيئة وذهابا ، يهذي ويتوعد . وقع الكلام على مسمع أم قاسم زوجته وقعا مفاجئا وكادت عيناها أن تلتصق بأعلى رأسها ، يداها ، هل تلطمان على خديها ؟! هل هذه إحدى ثوراته الغريبة وحركاته العجيبة! أم أنه مخمور فوق الحدود ويهذي قبل الرقود. تلك فاقت تصوراتها فكلامه مباشر ووعيده قاس وهذيانه أغرب من غريب .. تكبلت عواطفها وارتبط لسانها من هول المفاجأة ، ثم هدأت قليلا وخرج الكلام من فمها دون وعي بالمعاني:
- أتعتبرني ست بيت فاشلة؟ ألست أنت القائل أن الرجل يجب أن يرى صورة ست البيت في زوجته ويطوع نفسه وهي أنا ما كنت تعني.. وأنا أجتهد في تقديم واجباتي نحوك ونحو عائلتك، بم قصرت؟!
قاطعها وقال محتدا:
- الأكل هو كل شيء في نظرك، كنت في الماضي أبسط وصحتي أفضل والآن أحرم نفسي من كل شيء من أجل تأمين الحياة لكم وعلى حساب سعادتي، ليتها حياة جيدة، أنتم أنانيون ليس لديكم رحمة.
قالت متسائلة والعواطف تغور في جنباتها لتصل إلى أعماق الآلام المنبعثة من روحها:
- أهذا ما تعتقده؟ سعادتك تذهب هدرا من أجلنا؟! لماذا أنجبت الأولاد ورغبتهم إلى هذه الحياة؟ أليست سعادتهم هي سعادتك؟! وهل يرتاح الإنسان ويفرح إذا لم يقدم حق من هم رعيته ، ما أقساك من إنسان مسؤول وما أتعسنا من رعية.
استدار ناحية الباب وتأهب للرحيل وأم قاسم في حيرة وتلعثم لا تفهم معنى هذه اللحظات العصيبة وفي عينيها دموع ودموع، ثم أردفت قائلة:
- لا تقل إن العشرة انتهت بيننا، لم تعترف أن من يخفف عنك دائما هي أنا، وأنت في المقابل تبتعد عني بأحاسيسك ومشاعرك حتى قطعت حبال المودة، أتظن أنني لا أحس بك؟ هل لك امرأة غيري.. أجب بحق السماء ولا تتركني دون جواب، أريد أن أطفئ النار بداخلي.. لا تقل إنك سترحل هكذا دون مقدمات أو أعذار حقيقية.. ما السبب؟! الصراحة هي الحل الوحيد لمشكلتنا وعلينا أن نواجهها بكل شجاعة وقوة.. وإذا كانت لديك الشجاعة الكافية لصارحتني لأضع حدا لهذا العذاب الذي فرضته علي، ما ذنبي تجاهك؟.. كنت خاضعة لهجرك لي وأنت تعيش معي وراضخة لأوامرك الجبارة المستبدة ومستسلمة لأنانيك عن قناعة أن لكل مشكلة حل مع الزمن، ولكن بالحب العظيم بداخلي لا من دافع ضعف أو ذل، فأنت تبقى زوجي ووالد أبنائي..
كان ينصت لكلامها وهو يدخن بشراهة وعقله في أماكن أخرى من هذا العالم العجيب المتعجرف. استدار نحوها نصف استدارة بوجهه العبوس المحمر ثم أعقب :
- لم تفهمي قصدي بتاتا.. لقد مللت من المجيء إلى المنزل كل مساء وأبدأ بعد النقود من حصيلة اليوم الفائت متحسرا على حظي المشؤوم.. أريد مالا كثيرا وأريد وأريد...
اقتربت منه وهي تقول:
- أنا دائما أفهمك.. أنا زوجتك وأعتقد أن عشر سنوات من العشرة كافية لهذا.. هل نقف في طريقك وهل اكتشف قلبك أنه لا يرغب بي إلى جانبك أم أنني مجرد سلعة ووسيلة لشيء لم تستطع تحقيقه فترميني؟ آه من الدنيا وغدرها.. كل يوم تأتي من الخارج سكرانا تترنح وثملا تتبجح كنت أدعو لك الله بالهداية وأتحلى بالصبر آملة أن تعود إلى رشدك وتنتبه لعيالك المحتاجين إليك وإلى عطفك.. ذلك العطف الذي أخذ بالزوال يوما عقب يوم.. ولكنني لم أقنط ولم يصيبني اليأس في صميمي. أهذا جزائي يا أبا قاسم. ثم ألا تذكر عندما لم يهبنا الله أولادا في السنين الأولى كنت أنت تدعوه بأن يهبنا ما نريد.. ماذا أصابك؟
كانت يده تدير أكرة باب الشقة حين رمى آخر كلماته: ستصلك ورقة الطلاق..
ثم ابتلعه الباب واختفى في أروقة الظلام الذي خيم على أم قاسم وهي مذهولة من المفاجأة ، في أعماقها صراخ ونحيب أرادت أن تخرجهما وترسلهما خلفه ولكنه اختفى بسرعة فاقت توقعاتها بكثير. تكالبت عليها الأنواء دفعة واحدة وهاجمتها أرزاء الحياة بأنياب حادة فرمت لحمها وكسرت عظمها ولاكت نفسها قبل ابتلاعها فرجفت شفتاها وهجم عليها الاصفرار ثم تمايلت وسقطت على الأرض. هرع الأطفال الثلاثة ومنهم الصغيرة ذات السنتين من الغرفة نحو أمهم وأخذوا بالصراخ والبكاء فسمعهم الجيران وحضروا.
نقلت أم قاسم إلى المركز الطبي في الحي وجاء أخوها ليطمئن عليها وأخذ معه الأطفال للعناية بهم أثناء غيابها عن المنزل. عولجت ثم عادت إلى منزلها الخاوي من الزوج. لم يعرف الأطفال قاسم وأحمد وسلوى معنى رحيل والدهم المفاجئ.. كانوا صغارا لا يفهمون بعمق معنى هروب الأب أو الطلاق ونتائجه.. على أنه لم يتم الطلاق فأبو قاسم رحل واختفى ولم يأبه حتى أن يرسل ورقة الطلاق.
لم تعد الحياة كما هي بعد رحيله فرغم العذاب الذي فرضه على الأم والأطفال في حضوره إلا أنه أضاف عمودا من أعمدة الحياة الأساسية بتواجده معهم أو حولهم: إنه شعور مهما كان سيئا وقاسيا فإنه مخالف أو مغاير لهذا الشعور الذي أرسل سحبه القاتمة كالدهماء على حياة تلك العائلة بعد هروبه. حاولت النسيان لأنها شعرت بأن الحياة ضغطت عليها وسلبتها أملها وهؤلاء الأطفال لابد من كبير يرعاهم . وهكذا قررت تكريس حياتها من أجلهم . أعانها أخوها على تأمين عمل في روضة للأطفال، ومع مرتبها وقليلا من مساعدة أخيها استطاعت بالجهد والصبر شق الطريق في تربية الأولاد وصارت تحاول إرشادهم إلى الخلق المليح والعمل الصحيح والدراسة الناجحة حتى تفتخر بهم ولتثبت لنفسها ولمن حولها أنها قادرة على تحقيق ما قد يفعله الرجال..
ومضى الزمان ولم يتم الطلاق فلا الزوج المختفي أرسل تلك الورقة الرسمية ولا هي أقدمت على تطليق نفسها منه عن طريق القانون لأنها لا تفكر بالزواج مرة أخرى ، بل وهبت نفسها لأولادها. ثم تبعه زمان آخر وبات عدم وجود الأب والزوج شيئا من أصول الحياة وقواعدها عند العائلة. سلوى لا تبرح تردد أين أبي أين أبي بعدما وعت الأمور وسمعت في المدرسة أن لكل إنسان أب . عرف الأطفال الذين كبروا بعضا من الحقيقة فنقموا في أنفسهم على الرجل الأب وعلى الحياة والأم تحاول نزع فتيل الغضب منهم وتهدئة نفوسهم المتأججة كي لا يتعلموا على حمل الحقد والكره في قلوبهم لأي أحد من البشر حتى أبيهم الجبان الهارب...
ثم كرت الأيام بين شقاء ومرارة، وأمل ينبثق ويترعرع رويدا رويدا.. وهاهو قاسم الجاد والمتمكن من مشيته يدخل على أمه وفي يده شهادة الحقوق، وبعد سنة دخل عليها أحمد صاحب النكات والهزل والخطوات المرحة وفي يده شهادة الهندسة، وسلوى تحاول جاهدة نحو درجة امتياز في الثانوية العامة، تشرد بين حين وآخر فترى على كراستها عبارة أين أبي.
كل نجاح يتحقق والأم توزع فرحا على من حولها وتدعو الله أن يساعدهم على مزيد من التفوق والنجاح.. لكنها في كل مرة كانت تتمنى بعواطفها الكامنة في قلبها أن يكون الأب مع أولاده لتكتمل فرحتها في هذه الحياة.. ولكن هيهات أن تكون أمنياتها حقيقة وأفكارها رفيقة.. وهي على علم أن الأمر خارج عن إرادتها وأن القدر يؤخذ كما يأتي ولا راد لقدر الله إلا هو. وكانت تتمنى أن يكون حيا يرزق وأن لا يصيبه مكروه رغم ما قدم إليها من الخيبة والعذاب. حاولت النسيان مرارا ولكن الأمر كان يأخذها على حين غرة ولا تدري بنفسها إلا وهي غارقة في التفكير بأمر الزوج المتخاذل الهارب وتقول ماذا عساه يفعل الآن وأين هو من هذه الدنيا الغريبة؟ تطرد الضغينة من قلبها في كل حين يخطر هذا الرجل لها على بال فهي ليست بحاجة إلى التنكيد والمرارة في هذه السن.. ولكن هيهات للقلب أن يصفو ويرتاح إلى حد النسيان.. وبعض تجارب الحياة يهملها النسيان ولا يقترب إليها السلوان إلى أن يرث الله الروح من فوق هذه البسيطة.
تغير ذوق أم قاسم وأصبحت تفضل اقتناء الألبسة ذات الألوان الداكنة ، وأرسل الجلد تحت عينيها وحول فمها خطوطا ومنحنيات، صار البيت مقرها بعد العمل لسنوات طوال وأصبح أولادها يعيلونها ويعينونها على الحياة، وقد ازداد احترام الأولاد للأم مع الأيام فمنحوها كل الحب والتقدير ولم يخل جو البيت من نقاش عابر أو تعليقات بخصوص الأب الذي هرب من المسؤولية وخصوصا عندما يقع نظر أحدهم على شيء خبأته الأم وهو صورة الأب عندما كان شابا يخدم في الجيش.
ضاق الأولاد ذرعا بالعيش في نفس الحي المتسخ ، ناقشوا الأمر ثم حاول قاسم إقناع أمه بالانتقال من تلك الشقة إلى غيرها أفضل منها في حي مجاور ، رفضت فأذعن الجميع وأطاعوا .. ولما كان قاسم من الشبان الذين تظهر عليهم مظاهر الجدية والصرامة فكان رأيه أغلب الأحيان متحجرا لا يتنازل عنه إذا أدلى به حتى في كلامه ومواقفه مع أمه التي أحبها حبا كبيرا على عكس أخيه الذي أحب أمه أيضا ولكنه كان مراوغا بكلامه ينتقي الألفاظ المعسولة في استرضاء من حوله.. ومع مرور الأيام رأت الأم أنه لابد لها من الرضوخ لرغبة إبنيها الرجلين تقديرا لهما، فانتقلت العائلة إلى شقة أفضل من سابقتها في أحد الأحياء المجاورة. ولكي تكمل أم قاسم طريقها في هذه الحياة وتحرز الأمل المنشود العالي في تحقيق مسؤوليتها بدأت بالتفكير في انتقاء عروسين واحدة لقاسم وواحدة لأحمد، استحوذت الفكرة على عقلها وقلبها صباحا ومساء، وكان في الوقت نفسه كل واحد منهما في عالم غير عالم الآخر من التفكير والاتجاهات.
كان المنزل خاويا من الأبناء عندما كانت أم قاسم تشاهد التلفزيون في إحدى الأمسيات وأمامها صحن من البطاطا تقشرها وتقطعها. لفت نظرها صورة مستثمر في مقابلة على التلفزيون عندما سأله المذيع عن ذلك المشروع الخيري الذي يعتزم بناءه. وثب قلبها من رؤيته وتحققت من هويته عندما عرفت اسمه.. نعم إنه والد أبنائها.. إنه هو ذاته.. ياإلهي.. كيف هذا!.. تركت البطاطا واندفعت نحو الشاشة بسرعة وأخذت تنصت للمقابلة وتنظر إلى صورته وتتفحصها بكل ما لهذه الكلمة من معنى. هذه أول مرة تراه منذ عشرين سنة وهو في ثياب جديدة أنيقة وربطة عنق بدت فاخرة.. شعره أشيب ووجهه مدور مليء وعلامات الغنى عليه واضحة كوضوح الشمس في منتصف النهار المضيء. انتهت المقابلة بسرعة شديدة وجلست أم قاسم وحيدة مستغربة وفي رأسها خواطر وخواطر لا نهاية لها ولا قرار لها.. كتمت الأمر عن أبنائها تلك الليلة على مضض ، تقلبت على فراشها كما يقلب الشواء على النار ، لا خلود إلى النوم ولا دخول إلى الراحة، حتى إذا جاء الصباح وذهب قاسم وأحمد إلى عملهما وذهبت سلوى إلى المدرسة وأم قاسم لا تزال في تفكير وحيرة، سمعت باب الشقة يقرع. نهضت متثاقلة والحيرة تلبسها والهواجس تقنصها لا تلوي على شيء سوى صورة ذلك الرجل الذي ظهر على شاشة التلفزيون ليلة أمس. فتحت الباب مقدار شبر ونظرت فإذا بالمنظر يصفعها .. إنه الرجل الذي رأت صورته في التلفزيون الليلة الماضية ، وجهه شاحب وعيناه غائرتان أكثر مما ظهر عليه في شاشة التلفزيون.. انتبهت إلى نفسها وكأنها تستيقظ من حلم عميق فإذا بالرجل النظيف ذو اللباس الأنيق يبتسم قائلا:
- أم قاسم.. السلام عليكم.
تراجعت أم قاسم للخلف قليلا ومادت بها الأرض وأوشكت أن تغلق الباب فلم تعينها جوارحها على استقبال هذا الموقف المفاجئ. قال الرجل بلغة الواثق من نفسه:
- أنا حامد، أبو قاسم.
نعم هي تعرف ذلك ولكن ماذا تفعل.. أتستقبله ثم تصفعه صفعة لتشفي غليلها المتأجج ثم لا يقوم بعدها إلا عبدا تحت قدميها أو جثة ترميها إلى الشارع، أم تفرش الأرض له ديباجا وحريرا وتستقبله استقبال الفرحين بعودة الحبيب القادم من بعيد الفائز بالقلوب؟ ربطت على أعصابها من الانفلات وتقدمت وفتحت الباب وسلمت عليه ببرودة ظاهرة وهي تغلي من الداخل. أسعفتها أعصابها ، لا تدري كيف، هل بإرادتها أم أن العقل الباطن يتحكم بأفعالها دون تمحيص الأمور والنتائج. كان يبتسم ابتسامة حقيقية وهو ينظر إليها ويقول: قبل كل شيء أنا آسف شديد الأسف وأرجو المغفرة. قالت: لا عليك الحياة بخير ولا نحتاج إلى شيء، لماذا عدت الآن وكيف عرفت عنواننا، هل جئت لتشمت بنا أم لتتكبر لأنك أصبحت من الأثرياء؟ فرد بلهجة حزينة:
- لقد بحثت عنكم كثيرا وهاأنا أعود بعد هذا الغياب الطويل.. إنني أتعذب من الداخل عذابا مرا لا تدركينه يا أمينة.. هل أقدمت على الطلاق مني؟
- لا.. ولكن لم تعد زوجا لي فأيام الحرمان الذليلة وسنين الغضب والقهر تشهد على ذلك.
ثم صمتت وهي تنظر إليه تتأمله وتقول في نفسها لماذا يناديني بأمينة؟ لم يناديني بهذا الاسم حتى أيام كان هنا، إنه غريب على كل حال ولن أدخله منزلي. ثم نظرت إليه أخرى وقالت:
- لقد زرعت المرارة وأنت من يحصدها، زرعتها فينا حتى أدمت القلوب وتشققت النفوس، وتأتي الآن لتسترد ما لا تعب لك فيه. قال:
- أنت أيضا تحملين من الذنب مثلما أحمل، لم تكوني إدارية ولم تتصرفي بحكمة.
اشتد غيظها وانتابها غضب من سماع هذا الكلام فقالت:
- أنت الذي تركتنا نصارع الذئاب ونواجه الكلاب ، هربت من المسؤولية التي حملها الله لك.. إنك جبان وخائن ولا أريدك في بيتي وبيت أولادي.. اذهب قبل أن يحضر أحد منهم ويحتقرك في لباسك الفاخر، الأفضل لك أن تبقى هاربا في نظرهم فعندي رجلان وشابة لا يطيقون أن يسمعوا كلاما يجرح أمهم. هز رأسه ثم قال:
- أرجوك اسمحي لي أن أقابلهم.. إنهم أولادي لحمي ودمي، وأنا مريض قد لا أعيش كثيرا.
- وأي مرض داهمك.. إنك سكير ولا مناص من المرض.. عربيد ولا بديل في النهاية من الهوان.. اذهب وعالج نفسك بأموالك فأنت من الأثرياء.
- المال لا يجلب السعادة الصحية دائما.. أنا في حالة يرثى لها.
- دع أموالك ترثيك، وهروبك عنا يغنيك.
- إنني أعد الأيام قبل موتي حسب قول الأطباء فالسرطان انتشر ولا فائدة ترجى من العلاج.. هذا هو عقابي وأنا أدرى به.. تبت إلى الله فأسأله الرحمة وأرجو منه المغفرة ثم أرجوها منكم.
- ها أنت تعترف أنك أنت المخطئ .. على كل الأحوال المسامح كريم.. والرأي ليس رأيي وحدي وعلي استشارة الأولاد فمن المحتمل ألا يقبلوك كأب جاء بعد فوات الأوان.
- صدقيني سأحاول تعويض ما فات من الأمور وإصلاح ما مات من الشعور ، وسأفعل ما بوسعي لأرضيهم وأمتص نقمتهم علي وعلى شخصي.. عانيت كثيرا من الوحدة بعد فترة من رحيلي عنكم ولكنني كنت عنيدا لا أدري لماذا، فصممت على الاستمرار وكافحت وسافرت مع أحد الأصدقاء ثم تعرفت إلى تاجر ثري عملت معه فأعجبه عملي وقربني إليه حتى علمت أن عنده ابنة جميلة فجعلتها تحبني وتصر على الزواج مني فزوجها أبوها لي مجبرا وأصبحت ذراعه الأيمن ورحت أصعد السلم درجة ثم أخرى وكلما فكرت بكم غلبني شعوري وغروري بنفسي وعدلت عن العودة حينها.. ثم توفى الله ذلك التاجر وانتقلت الثروة لحوزتي بعد أن أقنعت ابنتة بعمل توكيل باسمي.. لم ننجب أطفالا بسببها حتى جاء أجلها بسبب مرض عضال واستلمت أنا كل الأعمال بمفردي ونجحت في مضاعفة الثروة حتى شعرت بالمسؤولية تجاه بلدي وعائلتي فعدت وأنا أصارع الدنيا ونكستها فلا الأموال أغنتني عنكم ولا الثروة أبعدت عني المرض الخبيث. بحثت عنكم مرارا حتى اهتديت لضالتي.. أمينة، إنني نادم وأرجو الصفح فلم يبق لي في الدنيا غير القليل. وهذا عقاب ربي أعطاني ما كنت أحلم به وأذهب عني ما هو أغلى منه أهلي وصحتي.
كانت أم قاسم تنصت ولم تقطع حديثه وكأنه أجاب عن سؤال حيرها طيلة الأعوام الماضية عندما كانت تخلو لنفسها في كل يوم مرة أو أكثر. قالت:
- وماذا يفيد الأولاد الثروة الآن بعد أن هجرتهم وأشعلت نار العذاب بقلبي وقلوبهم البريئة.
- دعيني أحاول.
كل هذا الحديث ولم تسمح له بالدخول وهي في نفسها تتمنى أن يدخل لتقتص منه وتوبخه و.. . سألها عن الأولاد وحالهم فلم يكن جوابها شافيا أو مطمئنا له. وعدها أنه سيحضر في مساء الغد ليجتمع مع الأولاد ، ثم استدار وآخر ما رأته منه هو ظهره. في تلك اللحظة تذكرت استدارته وخروجه من المنزل غاضبا ومزمجرا عندما هجرها حين قال: ستصلك ورقة الطلاق. لا تدري أم قاسم لماذا انتابها في سريرتها فرح مغمور ممزوج مع موجات الغضب والقهر والضغينة التي حملتها تجاه ذلك الثري.. هو مايزال زوجها في ظل القانون وأب لأولادها. الظاهر أنها ضعيفة.. لا.. إنها في داخلها امرأة مسالمة ومسامحة إلى أبعد الحدود! ولكن لماذا عاد الآن وماذا يريد.. نجوم النهار أقرب إليه من عودته إلى عش الزوجية.. وما هذه الأموال الفائضة الكثيرة ؟.. أهي حرام أم أنها من الكد والكسب الحلال ك
|